| أضيف في: 22-4-1430هـ | ||||
|---|---|---|---|---|
| ثانيا : البداء في الله - تعالى الله عما يصفون – وهو طعنهم بالله بالجهل وتزكية أئمتهم بالعلم فأصبحوا بنظرهم أعلم من الله تعالى من طعوناتهم في الله تعالى أنهم نسبوا إليه البداء وهو الظهور بعد الخفاء أي أن الله سبحانه يبدوا له أمر كان يجهله فيقدر القدر على هذا الأمر الجديد الذي بدا له ( تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا ) أذكر لكم هنا بعض أقوالهم التي جمعتها سابقا بهذه العقيدة الكفرية : معنى البداء هو الظهور بعد الخفاء والبداء مصدر بدا يبدو بداء أي : ظهر ، ويستعمل في العرف بمعنى الظهور بعد الخفاء ، فيقال فلانا كان عازما على كذا ، ثم بدا له فعدل عنه ( كما ذكر ذلك السيد محسن الأمين في كتابه الشيعة بين الحقائق والأوهام - ص 45 ، 46 ، الطبعة الثالثة سنة 1977 بيروت ) وبمثل ذلك نقل ابن منظور الأفريقي عن اللغويين حيث قالوا : البداء استصواب شيء بعد أن لم يعلم ، وقال الفراء بدا لي بداء ، أي ظهر لي رأي آخر وأنشد : لو على العهد لم يخنه لدمنا ثم لم يبد لي سواه بداء قال الجوهري : وبدا له في الأمر بداء ، أي نشأ له فيه رأي ، وذكر أيضا بدا لي بداء أي تغير لي رأي على ما كان عليه ( لسان العرب ج14 ، ص 66 طبعة مصر وبيروت) وفي هذا المعنى استعمل هذا اللفظ في القرآن الكريم : وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ الزمر 47 وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون الزمر47 وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون الجاثية 33 قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ أل عمران 118 فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ الأعراف 22 وفي جميع هذه الآيات استعمل هذا اللفظ بمعنى الظهور بعد الخفاء وتجيز الرافضة هذا البداء لله تعالى ، أي يظهر له أمر بعدما كان خافيا عليه ( تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا ) وهناك العديد من رواياتهم تنص على ذلك في أمهات كتبهم المعتمدة والموثوقة ، وعلى سبيل المثال لا الحصر ما رووه عن جعفر أنه كان يقول بإمامة ابنه اسماعيل بعده ، ثم مات اسماعيل في حياة ابيه فقال : ( ما بدا لله في شيء كما بدا له في إسماعيل ابني ) – كتاب كمال الدين وتمام النعمة لأبن بابويه القمي ج1 ص69 طبعة طهران 1395 ، فرق الشيعة للنوبختي ص 64 ، كتاب المقالات والفرق لسعد بن عبدالله القمي ص78 طبعة طهران 1963 ، الأنوار النعمانية ج1 ص 359 طبعة ايران . وروى مثل ذلك الكليني في كتابه الكافي ، عن امامهم العاشر علي بن محمد المكنى بأبي الحسن أنه لما مات ابنه الأكبر محمد المكنى بأبي جعفر وبقي له ابنه الأصغر الحسن المكنى بأبي محمد قال كما روى أبو هاشم الجعفري : ( كنت عند أبي الحسن عليه السلام بعد ما مضى ابنه جعفر ، واني لأفكر في نفسي أريد أن أقول : كأنهما أعني أبا جعفر وأبا محمد في هذا الوقت كأبي الحسن موسى واسماعيل ابني جعفر بن محمد عليهم السلام وأن قصتهما كقصتهما ، إذ كان أبو محمد المرجي بعد أبي جعفر عليه السلام فأقبل عليّ أبو الحسن قبل أن أنطق ، فقال : نعم يا أبا هاشم ، بدا لله في أبي محمد بعد أبي جعفر عليه السلام ما لم يكن يعرف له ، كما بدا له في موسى بعد مضي اسماعيل ما كشف به عن حاله ، وهو كما حدثتك نفسك ، وإن كره المبطلون ، وأبو محمد ابني المخلف من بعدي ) كتاب الأصول من الكافي ج1 ص 327 وروى محمد بن عبدالله الأنباري أنه قال : ( كنت حاضرا أبا الحسن عليه السلام لما توفي ابنه محمد ، فقال للحسن : يا بني أحدثت لله شكرا ، فقد أحدث فيك أمراً ) الأصول من الكافي ص 326 والروايات السابقة صريحة في معناها بأن الله لم يكن يعلم بأن كلاً من اسماعيل بن جعفر ، ومحمد بن علي لا يصلحان للإمامة ، وخفي عليه الأمر ، ثم ظهر له عدم صلاحيتهما لتلك المنزلة فأحدث الإمامة في موسى بن جعفر وحسن بن علي ( تعالى الله علوا كبيرا عن ذلك ) . وروى الرافضة الكثير بهذا المعنى ، منها ما رواه لبن بابويه القمي الملقب بالصدوق عن علي بن موسى الملقب بالرضا الإمام الثامن عند الرافضة قال : لقد أخبرني أبي عن آبائي عليهم السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال : إن الله أوحى إلى نبي من أنبيائه أن أخبر فلاناً الملك أني متوفيه إلى كذا وكذا ، فأتاه ذلك النبي فأخبره ، فدعا الله الملك وهو على سريره حتى سقط من السرير ، وقال : يا رب ، أجلني حتى يشب طفلي ويقضى أمري ، فأوحى الله عز وجل إلى ذلك النبي أن ائت الملك فأعلمه أني قد أنسأت في أجله وزدت في عمره إلى خمس عشرة سنة ، فقال ذلك النبي : يارب ، إنك لتعلم أني لم أكذب قط ، فأوحى الله عز وجل لإليه : إنك عبد مأمور فأبلغه ذلك ، والله لا يسأل عما يفعل . – عيون أخبار الرضا ج1 ص181،182 تحت عنوان البداء وما يتعلق به ورووا مثل ذلك عن نبي الله عيسى الناطق بالوحي أنه مر بقوم مجلبين كما نقله القمي عن جعفر بن محمد فقال عيسى عليه السلام: ما لهؤلاء؟ قيل: يا روح الله إن فلانة بنت فلان تهدى إلى فلان بن فلان في ليلتها هذه قال: يجلبون اليوم ويبكون غداً، فقال قائل منهم: ولم يا رسول الله؟ قال: لأن صاحبتهم ميتة في ليلتها هذه، فقال القائلون بمقالته: صدق الله وصدق رسوله، وقال أهل النفاق: ما أقرب غداً، فلما أصبحوا جاءوا فوجدوها على حالها لم يحدث بها شيء، فقالوا: يا روح الله إن التي أخبرتنا أمس أنها ميتة لم تمت، فقال عيسى عليه السلام: يفعل الله ما يشاء، فاذهبوا بنا إليها، فذهبوا يتسابقون حتى قرعوا الباب فخرج زوجها، فقال له عيسى عليه السلام: استأذن لي إلى صاحبتك، قال: فدخل عليها فأخبرها أن روح الله وكلمته بالباب مع عدة، قال: فتخدرت، فدخل عليها فقال لها: ما صنعت ليلتك هذه؟ قال: لم أصنع شيئاً إلا وقد كنت أصنعه فيما مضى إنه كان يعترينا سائل في كل ليلة جمعة فننيله ما يقوته إلى مثله، وأنه جاءني في ليلتي هذه وأنا مشغولة بأمري وأهلي في مشاغيل، فهتف فلم يجبه أحد، ثم هتف فلم يجبه أحد حتى هتف مراراً، فلما سمعت مقالته قمت متنكرة حتى أنلته كما كنا ننيله، فقال لها: تنحي عن مجلسك: فإذا تحت ثيابها أفعى مثل جذعة عاض على ذنبه، فقال عليه السلام: بما صنعت صرف الله عنك هذا [أمالي الصدوق المجلسي الخامس والسبعون ص404، 405]. وكذبوا على نبي الله محمد صلوات الله وسلامه عليه نقلاً عن جعفر أيضاً أنه قال: مر يهودي بالنبي صلى الله عليه وآله فقال: السلام عليك، فقال رسول الله : عليك، فقال أصحابه: إنما سلم عليك بالموت. قال: الموت عليك. قال النبي صلى الله عليه وآله : كذلك رددت، ثم قال النبي صلى الله عليه وآله : إن هذا اليهودي يعضه أسود في قفاه فيقتله. قال: فذهب اليهودي فاحتطب حطباً كثيراً فاحتمله، ثم لم يلبث أن انصرف فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله : ضعه فوضع الحطب فإذا أسود في جوف الحطب عاض على عود، فقال: يا يهودي ما عملت اليوم؟ قال: ما عملت عملاً إلا حطبي هذا احتملته فجئت به وكان معي كعكتان فأكلت واحدة وتصدقت بواحدة على مسكين، فقال رسول الله صلى الله عليه وأله : بها دفع الله عنه، وقال: إن الصدقة تدفع ميتة السوء عن الإنسان" [الكافي للكليني ج4 ص5 – كتاب الزكاة]. ومعنى الروايتين واضح جلي أن نبي الله عيسى عليه السلام أخبر بموت العروسة بإخبار من الله عز وجل وبوحي منه وخفي على الله – عياذاً بالله – بأن العروسة واليهودي لا يموتان في وقتهما الذي حدد لموتهما العارضة تعرض، وسبب يحدث، كما لم يظهر له – تعالى الله عما يقولونه علواً كبيراً – أن رسوليه يكذبان من قبل المعاندين، ويهزأ بهما من قبل المنافقين، ويتكلم الناس في أمرهما ما يتكلمون، ويكون في أيديهم حجة لتكذيبهم إياهم وللرد على مقولاتهم وأنبائهم فلا يبقى إذاً معنى النبوة والنبوءة. وعلى ذلك اضطرب القوم في أمر هذه العقيدة الخبيثة، المتفق عليها عند جميع الرافضة كما قال شيخهم المفيد: واتفقت الإمامية على إطلاق لفظ البداء في وصف الله تعالى وإن كان ذلك من جهة السمع دون القياس [أوائل المقالات ص52]. وقد نقلوا عن أئمتهم أنهم قالوا: "ما عبد الله بشيء مثل البداء" قاله محمد الباقر [الكافي في الأصول ج1 ص146، كتاب التوحيد باب البدء]. وعن جعفر أنه قال: "ما عظم الله بمثل البداء" [الكافي في الأصول]. وعنه أيضاً ما نقله مالك الجهني أنه قال: "لو علم الناس ما في القول بالبداء من الأجر ما افتروا من الكلام فيه [الأصول من الكافي 1/148]. وعن مرازم بن حكيم أنه قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: ما تنبأ نبي قط حتى يقر لله بخمس خصال: بالبداء، والمشيئة، والسجود والعبودية، والطاعة [الأصول من الكافي]. وأخيراً ما رواه الريان بن الصلت أنه قال: "سمعت الرضا عليه السلام يقول: ما بعث الله نبياً قط إلا بتحريم الخمر، وأن يقر لله بالبداء" [الكافي في الأصول 1/148]. ومثل هذه الفقرات كثيرة في التوراة واضحة تشير إلى أن الله فعل شيئاً ولم يكن ليفعل لو عل في حينه أن نتيجته خلاف ما أراده، وخفي عليه ما ظهر فيما بعد – سبحانه عما يصفون. وأما ما يقوله الرب جل وعلا في كتابه المحكم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه فهو مخالف تمام المخالفة لما يعتقده اليهود والشيعة يقول الله عز وجل عن نفسه: . . عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ [سورة سبأ الآية3]. وقال: ِ.. وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ .. [سورة يونس الآية61]. وقال: وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ [سورة الأنعام الآية 59]. وأمر ملائكته أن يقولوا: وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً [سورة مريم الآية 65]. وقال على لسان موسى عليه السلام: . . لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى [سورة طه الآية 52]. وقال: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً ... [سورة الطلاق الآية 12]. وقال: وَللّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطاً [سورة النساء الآية 126]. وقال: أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَاء رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ [سورة فصلت الآية 54]. والآيات في هذا المعنى كثيرة . أما الشيعة فيعتقدون في الله عكس ما يقوله الرب عنه جل جلاله، وعم نواله، مصرحين بأن الله تعالى ظهر له من الأمر ما لم يكن ظاهراً [رسالة أعلام الهدى في تحقيق البداء لنظام الدين الجيلاني الشيعي نقلاً عن تحفة اثنى عشرية ص226]. أن البداء عند الشيعة الإمامية جزء لا يتجزأ من توحيد الله، وهذا مالم نره في كتاب ربنا ، ولم نرى له ذكراً على لسان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم المبلغ عن ربه، وخفاء عقيدة كهذه فيه إتهام للنبي صلى الله عليه وسلم بعدم تبليغ رسالة ربه ! وهذا محال . وكون الشيعة الإمامية اختصت من دون الناس بمعرفة هذه العقيدة فيه إجحاف بأمم عظيمة لا يعلم قدرها إلا الله، وشريعة الله ليست خاصة بأمة ولا بنحلة، فليتنبه لهذا . قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً .. الأعراف : 158 . فقال يا أيها الناس الدالة على أن دعوته تعم كل الناس . وأعظم مما سبق أن البداء فيه نسبة الجهل إلى الله وأنه لا يعلم حقيقة الأمور ومآلها –تعالى الخلاق العليم عن ذلك-، والله يعلم ما كان وما يكون وما سيكون أن لو كان كيف يكون . فكيف يستجيز عاقل لنفسه أن يؤمن بهذه العقيدة التي تنسب الجهل إلى ربه ! ؟ ( تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا ) أما أسباب وغرض الشيعة الإمامية من إحداث هذه العقيدة، ونشرها بين الناس ؟ أن من عقيدة الشيعة الإمامية أن أئمتهم يعلمون الغيب، ويعلمون ما كان وما سيكون ، وأنهم لا يخفى عليهم شيء ! . فإذا أخبر أئمتهم بأمر مستقبل وجاء الأمر على خلاف ما قالوا ، فإما أن يكذبوا بالأمر وهذا محال لوقوعه بين الناس، وإما أن يكذبوا أئمتهم وينسبوا الخطأ إليهم ، وهذا ينسف عقيدتهم التي أصلوها فيهم من علمهم للغيب . فكان أن أحدثوا عقيدة البداء . فإذا وقع الأمر على خلاف ما قاله الإمام قالوا: بد لله كذا ، أي أن الله قد غير أمره . ولكن الشيعة الإمامية وقعت في شر أعمالها، فهي أرادت أن تنزه إمامها عن الخلف في الوعد وعن الكذب في الحديث، فاتهمت ربها من حيث تشعر أو لا تشعر بالجهل ! . فقد جاء في البحار عن أبي حمزة الثمالي قال : قال أبو جعفر وأبو عبد الله عليهما السلام : ( يا أبا حمزة إن حدثناك عن بأمر أنه يجيء من هاهنا فجاء من هاهنا، فإن الله يصنع ما يشاء، وإن حدثناك اليوم بحديث وحدثناك غداً بخلافه فإن الله يمحو ما يشاء ويثبت ) [بحار الأنوار: 4/119، وتفسير العياشي : 2/217] . بالطبع هذه رويات نسجوها على لسان أبي جعفر وأبي عبد الله وهما منها براء . والمقصد بيناه آنفاً . ولقد كان بعض شيوخ الشيعة الإمامية في إحدى الفترات يمنون شيعتهم بأن الأمر سيعود إليهم والغلبة ستكون لهم ولدولتهم بعد سبعين سنة، ولما انقضت تلك المدة ولما يتحقق من ذلك شيء ، لجاءوا إلى البداء وقالوا قد بدا لله سبحانه ! . [انظر: تفسير العياشي : 2/218، والغيبة للطوسي : ص263] . ثم لما رأت الشيعة الإمامية ممثلة في مشايخها أن هذه العقيدة قد تجلب الشناعة على مذهبهم، نسجوا رويات أخرى تحدث أن البداء قد منع الأئمة من التحديث بما سيكون من الأمور المستقبلة . فهاهم يزعمون أن علي بن الحسين يقول : (لولا البداء لحدثتكم بما يكون إلى يوم القيامة ) [تفسير العياشي : 2/215، وبحار الأنوار : 4/118] . إذا المانع للأئمة من التحديث بأخبار الغيب هو خوفهم من أن يبدوا لله أمراً آخر بخلاف ما حدثوا به ! . وهذا كله مهرب من التحديث بأمر لا يعلمه إلا الله، وهو علم الغيب الذي أخبر الله في مواضع كثيرة من كتابه أن الغيب لا يعلمه إلا هو . فما للشيعة لا يفقهون حديثاً. ثمة أمر لابد من الإشارة إليه وهو يقطع الطريق على الشيعة الإمامية وهو أن بعض مشايخة الشيعة الإمامية قد يوهم الناس بأن البداء كالنسخ الذي أخبر الله عنه في كتابه أو أنه هو . وليس كذلك، فالنسخ ليس هو ظهور أمر جديد لله ، بل الله عالم بالأمر المنسوخ والأمر الناسخ ، ولكن الله يأمر بأمر في وقت من الأوقات يناسب الحال وقت ذاك ، ثم ينسخه بأمر معلوم عنده في الأزل . أما البداء فهو أن الله يظهر له أمر جديد لم يكن يعلمه في السابق، وبين النسخ والبداء كما بين السماء والأرض، وأين هذا من هذا ؟ . ويجيب على مقالتهم هذه أيضا أقدم من كتب في فرق الشيعة من الشيعة ومن يليه أبو محمد الحسن بن موسى النوبختي، وسعد بن عبد الله القمي في كتابيهما (فرق الشيعة)، وكتاب (المقالات والفرق) نقلاً عن سليمان بن جرير: "إن أئمة الرافضة وضعوا لشيعتهم مقالتين لا يظهرون معهما من أئمتهم على كذبهم أبداً، وهما القول بالبداء، وإجازة التقية. فأما البداء فإن أئمتهم لما أحلوا أنفسهم من شيعتهم محل الأنبياء من رعيتها في العلم فيما كان ويكون، والإخبار بما يكون في الغد، وقالوا لشيعتهم: إنه سيكون في غد وفي غابر الأيام كذا وكذا، فإن جاء ذلك الشيء على ما قالوه قالوا لهم: ألم نعلمكم أن هذا يكون، فنحن نعلم من قبل الله عز وجل ما علمته الأنبياء عن الله ما علمت، وإن لم يكن ذلك الشيء الذي أخبروا به على ما قالوا، اعتذروا لشيعتهم بقولهم: بدا لله في ذلك بكونه. فما أصدقه وأحسن به. هذا ولم يقولوا بهذه المقالة ولم يعتقدوا بهذا الاعتقاد إلا لمخالفتهم المسلمين أهل السنة حيث أنهم أسسوا قواعد مذهبهم على مخالفة العقائد الإسلامية الخالصة المستقاة من كتاب الله جل وعلا وسنة نبيه المصطفى صلوات الله وسلامه عليه كما بيناه فيما مضى. قال اليهود : جاء في التوراة : ( فرأى الرب أنه كثر سوء الناس على الأرض .... فندم الرب خلقه الإنسان على الأرض وتنكد بقلبه ، وقال الرب: لأمحون الإنسان الذي خلقته على وجه الأرض ) [سفر التكوين ، الفصل السادس، فقرة : 5] وتكرر هذا المعنى في التوراة . وهذا هو البداء بعينه . والسؤال : هل مؤسس الطائفة الشيعية ابن سبأ قد أخذه هذه العقيدة من اليهود وأشاعها في الشيعة ؟ ويكفي في الإجابة أن تعلم ، أن فرق السبأية ( كلهم يقولون بالبداء وأن الله تبدوا له البداوات ) [انظر: الملطي/ التنبيه والرد ص 19] . نعم طعنوا في الله تعالى ( بالجهل ) وزكوا أئمتهم بعلم الغيب كله علم الغيب عند الأئمة - عن أبي عبد الله قال « والله لقد أعطينا علم الأولين والآخرين. فقيل له: أعندك علم الغيب؟ فقال له: ويحك! إني لأعلم ما في أصلاب الرجال وأرحام النساء» (بحار الأنوار26/27). - وقال المفيد » إن الأئمة من آل محمد (ص) يعرفون ضمائر بعض العباد، ويعرفون ما يكون قبل كونه« (شرح عقائد الصدوق 239). - عن أبي جعفر قال » إنا لنعرف الرجل إذا رأيناه بحقيقة الإيمان وحقيقة النفاق« (الكافي 1/363 كتاب الحجة. باب في معرفتهم وأوليائهم والتفويض إليهم). - وبوب الصفار بابا بعنوان: باب أن الأئمة يعرفون الإضمار وحديث النفس قبل أن يُخبَروا كما هو مبوب هكذا عند الصفار» (بصائر الدرجات 255). ووضع تحت الباب أحاديث منها: - عن عمران بن يزيد وخالد بن نجيح أنهما أضمرا في أنفسهما شيئا ليسألا به أبا عبد الله فعرف أبو عبد الله ما في أنفسهم من غير أن يخبره عمران به. (161 - 255). وأظن ما جمعته هنا من الكلام في البداء يوضح طعنهم في الله تعالى وجزى الله خيرا الأخوة الذين قاموا بكتابة هذه النقاط في البداء والتي أقتبستها منهم وأضيف أيضا من أسباب هذا الإتهام لله تعالى مدخلا للرافضة على الطعن بالصحابة رضي الله عنهم جميعا لأن الله تعالى قد ذكر الكثير من فضائلهم في القرآن الكريم : قوله تعالى : لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحاً قريباً - سورة الفتح: 18. قال جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: كنا ألفا وأربعمائة - صحيح البخاري: كتاب المغازي -باب عزوة الحديبية- حديث [4154] فتح الباري: 7/507. طبعة الريان. وفي صحيح مسلم من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد؛ الذين بايعوا تحتها - صحيح مسلم: كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أصحاب الشجرة. . حديث [2496]. صحيح مسلم 4/1943. قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: والرضا من الله صفة قديمة، فلا يرضى إلا عن عبد علم أن يوافيه على موجبات الرضا -ومن رضي الله عنه لم يسخط عليه أبداً- فكل من أخبر الله عنه أنه رضي عنه فإنه من أهل الجنة، وإن كان رضاه عنه بعد إيمانه وعمله الصالح؛ فإنه يذكر ذلك في معرض الثناء عليه والمدح له. فلو علم أنه يتعقب ذلك بما سخط الرب لم يكن من أهل ذلك - الصارم المسلول: 572، 573. طبعة دار الكتب العلمية. تعليق: محمد محيي الدين عبد الحميد. وقال ابن حزم: فمن أخبرنا الله عز وجل أنه علم ما في قلوبهم، ورضي عنهم، وأنزلا السكينة عليهم، فلا يحل لأحد التوقف في أمرهم أو الشك فيهم البتة - الفصل في الملل والنحل: 4/148. وقوله تعالى : محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم ترااهم رُكعاً سُجدا يبتغون فضلاً من الله ورضواناً سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مَثَلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سُوقه يُعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجراً عظيماً - سورة الفتح: 29. قال الإمام مالك رحمه الله تعالى: بلغني أن النصارى كانوا إذا رأوا الصحابة -رضي الله عنهم- الذين فتحوا الشام، يقولون: والله لهؤلاء خير من الحواريين فيما بلغنا. وصدقوا في ذلك؛ فإن هذه الأمة معظمة في الكتب المتقدمة، وأعظهما وأفضلها أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقد نوه الله تبارك وتعالى بذكرهم في الكتب المنزلة والأخبار المتداولة؛ ولهذا قال سبحانه وتعالى هنا: ذلك مثلهم في التوراة. ثم قال: ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه أي فراخه. فآزره أي: شده فاستغلظ أي: شب وطال. فاستوى على سوقه يعجب الزراع أي فكذلك أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- آزروه وأيدوه ونصروه، فهو معهم كالشطء مع الزراع ليغيظ بهم الكفار- الاستيعاب لابن عبد البر 1/6 ط. دار الكتاب العربي بحاشية الإصابة، عن ابن القاسم. وتفسير ابن كثير: 4/204 ط. دار المعرفة -بيروت، دون إسناد. وقال ابن الجوزي: وهذا الوصف لجميع الصحابة عند الجمهور - زاد المسير: 4/204. والآيات الدالة على فضائل الصحابة كثيرة في القرآن ومن إتهام الله تعالى بالبداء عند الرافضة قولهم أن الصحابة جميعا ارتدوا بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم وأن هذه الآيات التي ذكرها الله كانت قبل أن يبدو له فيهم وليت شعري لو يشرح لنا الرافضة ما الذي غصب المهاجرين والأنصار بداية على الإسلام كي يرتدوا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ؟ فالمسلمين بداية الأمر كانوا يعذبون على إسلامهم وهذا بلال بن رباح رضي الله عنه وكان عبدا ويعذب في مكة وهو يقول أحد أحد ، فلم لم يذكره الرافضة فيمن ثبت وبقي على إسلامه بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم ، حين عددوا ثلاثة ورواية أخرى لهم أربعة ورواية أخرى سبعة ؟ والمسائل في هذا الوجه كثيرة . |
||||
| الكاتب: علي العلي الكعبي |
|
|
|
|
|
خيارات الدرس : |
||||
التعليقات
|
||
|---|---|---|
|
||
|
|